"لأنها لم تعد هناك"

 للمرةِ الأولى التي شعرَ فيها أنّ قلبهُ يتآكل، كجريدةٍ بالية رُميت بقلبِ المفحمة. للمرة الأولى التي لم يستطع فيها أن يحمِلَ كلتا يداه ليلوحَ بها عاليًا تلويحةَ الوداع، وللوهلةِ التي شعرَ فيها أنهُ يكادُ يسقطُ من على حافةِ الميناء دونَ أن تنزَلِقَ قدماه، وللحظةِ التي شعرَ فيها أنّ الشمسَ لم تعد تُشرق، وأنّ المغيبَ قد طال ومحبوبتهُ ما زالت تختبِىءُ خلفَ الضباب! للمرةِ التي أحسّ فيها أن الميناءَ هو مكانهُ المفضل وأنّ كُلّ الأعين الخاطفة التي تمرُّ عليه وهو واقفٌ هناك لا يَمَّلُ الانتظار؛ ستشهدُ يومًا له بلقاءِ محبوبته. محبوبتُه التي فارقت عيناهُ في ليلةٍ هوجاء مليئَةٍ بضبابِ الأمطار، و عواصِفِ الأفكار التي لا تهدأ، محبوبتهُ التي تركت لهُ ميناءًا كاملاً ليبقى هُناك كُلما اشتاقت روحهُ إليها، ليهرعَ إليهِ كُلما تهافتَ عطرُها إلى مبسمه، و ليرمي بنفسهِ كُلما أرادَ الغرق مُجددًا بينَ أحضانِها. للمرةِ الأولى التي مكثَ فيها ليلةً كاملة ينتظرُ فيها أن تظهرَ هي حتى تُشرِقَ الشمس.. فلم تُشرق ليلتها، و غابت كُلُّ الشموسِ مودِعةً لضحكتها، حتى أنّ النجومَ لم تقوَ على السطوعِ و نورها الحقيقي غائِب، وللمرةِ الأولى لم يكن القمرُ حاضرًا، و كأنّ كلّ الأشياء التي اعتاد أن يشهدها غابت عنهُ مع غيابِها. وهوَ ما زالَ هُناك ينتظرُ أن يظهرَ عليهِ صباحٌ جديد، صباحٌ تكون هي فيه. صباحٌ لا يشهدُ أيًا من المساءاتِ المُظلمة، الخاليةِ من ضوء القمر؛ لأنها كانت تخبرهُ في كُل مرة أنّ السماءَ تُخيفُها عندما يبتعد عنها القمر، فكانَ دائمًا ما يأخُذها لمينائِهم المُفضّل ويشيرُ بسبابتهِ إلى السماء الخالية ومن ثمّ إلى المياهِ الراكدة حيثُ انعكاسُ وجهها الضاحك المتعجِّبِ دومًا، ويخبُرها أنّهُ يشهدُ انعكاسًا لقمرهِ المُفضل. قمرهُ الذي لم يعد موجودًا في الليالي البائسة، و المياهُ التي ما عادت تشهدُ انعكاس قمرهِ الأوحد، والميناءُ الذي ما عاد يشهدُ خطواتهِ المُفضلة. لِكُلِ المرات الأولى ولوهلةِ اللحظة الأولى التي شعرَ فيها أنّ الأشياء التي يُحبها ماعادت تُحبُه و أنّ الليالي جميعها ستظلُ خاليةً من ضوءِ القمر،لأنها لم تعُد هناك. 

تعليقات

  1. أسلوب رائع واختيار موفق للكلمات واختيار رائع جداً للصورة أحسنتي❣️

    ردحذف
    الردود
    1. شكرًا من الأعماق على هذا التعليق اللطيف.

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لأنّ شيئًا بداخلي لم يعد كسابقه.

ليتهُ يتوقف..

"الانعكاس الذي أخافه"